مدونة سابل
ما هو التشغيل بالتفريغ الكهربائي (EDM)؟
التشغيل بالتفريغ الكهربائي (EDM)، أو ما يُعرف بالشرارة، طريقة تصنيع غير تقليدية تعتمد على الإزالة (تُستخدم مثلاً في صناعة قوالب حقن البلاستيك)، تصهر قطعة العمل وتبخّرها بشرارات كهربائية متكررة داخل سائل عازل. ولا يحدث في هذه العملية أي تلامس مباشر بين الأداة وقطعة العمل، لذا تُنتج القطع الدقيقة بدقة ميكرونية دون أن تتعرّض لأي ضغط ميكانيكي أو تشوّه. وتُعدّ هذه التقنية أفضل بديل للطرق التقليدية في تشغيل المعادن فائقة الصلابة وتشكيل الهندسات المعقّدة جداً.
تاريخ الشرارة وتطوّرها
أول آلة شرارة
في عام 1943، كُلّف عالمان في الاتحاد السوفيتي، هما ب. ر. لازارينكو ون. إ. لازارينكو، بدراسة طرق لمنع التآكل والشرارة في الملامسات الكهربائية المصنوعة من التنغستن. ورغم أنهما لم ينجحا في مهمتهما الأصلية، فقد توصّلا إلى اكتشاف قيّم: إذا غُمر القطبان في سائل عازل، يمكن التحكم في التآكل الناتج عن الشرارة بدقة أكبر بكثير. وقاد هذا الاكتشاف الكبير الأخوين لازارينكو إلى اختراع أول آلة عملية للتشغيل بالتفريغ الكهربائي (EDM) للعمل على المواد الصلبة مثل التنغستن.
تطوير الآلة في أمريكا
وفي الوقت نفسه، وبشكل مستقل تماماً، طوّر فريق أمريكي آلة شرارة بهدف إخراج المثاقب والذكور (أدوات القلوظة) المكسورة من المسبوكات المصنوعة من الألومنيوم. ولم تكن محاولاتهم الأولى باستخدام أدوات الحفر الكهربائي الضعيفة ناجحة كثيراً، لكنهم تمكّنوا لاحقاً، بالجمع بين وحدات شرارة أقوى وتكرار الشرارة تلقائياً ونظام لتجديد السائل يعمل بقاطع كهرومغناطيسي، من بناء آلات عملية تنتج 60 شرارة في الثانية. أما الآلات التي صُنعت لاحقاً على أساس تصميمهم، فقد استخدمت دوائر الصمامات المفرغة القادرة على إنتاج آلاف الشرارات في الثانية، فارتفعت سرعة القطع ارتفاعاً كبيراً.
ظهور الشرارة بالسلك
ظهر نوع جديد من هذه التقنية، هو التشغيل بالتفريغ الكهربائي بالسلك، في ستينيات القرن العشرين لصناعة الأدوات والقوالب من الفولاذ المقسّى. وفي هذه الطريقة تحوّل القطب إلى سلك رفيع يتحرك باستمرار بين بكرتين، لكي يتغيّر الجزء العامل منه دائماً فلا ينقطع بفعل التآكل.
مراحل عملية الشرارة خطوة بخطوة
- التموضع دون تلامس: يُثبَّت القطب (الإلكترود) وقطعة العمل على مسافة قريبة جداً من بعضهما دون أي تلامس، وهما مغموران في سائل عازل كهربائياً.
- توليد المجال الكهربائي: عند تطبيق الجهد من مصدر التغذية، ترتفع شدة المجال الكهربائي ارتفاعاً كبيراً في الفجوة الميكرونية بين القطبين.
- الانهيار الكهربائي وتكوّن البلازما: يؤدي هذا المجال القوي إلى انهيار عزل السائل العازل وتكوّن قناة بلازما موصلة في موضع التفريغ.
- الصهر والتبخير الحراري: تولّد البلازما حرارة شديدة جداً تصهر جزءاً صغيراً جداً من سطح قطعة العمل وتبخّره في لحظة.
- إزالة الجسيمات: عند قطع التيار تنهار البلازما، ويغسل السائل العازل الجسيمات المنصهرة ويخرجها من المنطقة، فيعود العزل من جديد.
الدور الحيوي للسائل العازل (الزيت أو الماء منزوع الأيونات)
قبل الوصول إلى جهد الانهيار، يعمل السائل العازل كعازل كهربائي. كما يتولّى نقل الحرارة وتبريد القطب وقطعة العمل، وغسل الرايش باستمرار لمنع حدوث دائرة قصر.
أهم إعدادات الآلة
زمن تشغيل الشرارة يحدد مدة استمرار كل شرارة؛ فالزمن الأطول يُحدث حفراً أعمق ويجعل السطح أكثر خشونة. أما زمن إيقاف الشرارة فهو الفاصل الزمني بين الشرارات، ويمنح تدفق السائل العازل وقتاً كافياً لإخراج الجسيمات المتآكلة من منطقة القطع.
مزايا الشرارة وعيوبها
تتمتع الشرارة، مقارنة بطرق إزالة الرايش التقليدية، بخصائص مميزة ومزايا بارزة، ولها بالطبع قيود تقنية خاصة:
مزايا التشغيل بالشرارة
- تشغيل المعادن فائقة الصلابة أيّاً كانت صلابتها: من أكبر مزايا هذه الطريقة قدرتها الفريدة على تشغيل المعادن شديدة الصلابة مثل التيتانيوم والفولاذ المقسّى والسبائك الفائقة والكربيدات.
- عدم تطبيق أي قوة ميكانيكية على قطعة العمل: لا يحدث في عملية الشرارة أي تلامس مباشر بين الأداة (القطب) وقطعة العمل. وهذه الطبيعة اللاتلامسية تزيل أي إجهاد ميكانيكي أو تشوّه في قطعة العمل، وتتيح صنع قطع فائقة الدقة وأنابيب وتجاويف القوالب والجدران الرقيقة جداً والهياكل الحساسة دون أي ضرر.
- دقة عالية جداً وجودة سطح ممتازة: تستطيع هذه التقنية بلوغ تفاوتات دقيقة جداً تصل إلى نحو 2.5 ميكرومتر (±0.0001 بوصة)، بل ودقة هندسية ميكرونية في الشرارة بالسلك. كما تُنتج عملية التفريغ الكهربائي سطحاً عالي الجودة يقلّل كثيراً من الحاجة إلى عمليات التشطيب الثانوية (مثل التجليخ أو التلميع).
- إمكانية تشكيل هندسات معقّدة ومجارٍ عميقة: تتيح الشرارة للمصنّعين عمل مجارٍ ضيقة جداً، وثقوب دقيقة للغاية، وزوايا مخروطية، وتجاويف ثلاثية الأبعاد عميقة يستحيل إنتاجها بأدوات القطع الدوّارة التقليدية. كما أن إمكانية تشكيل زوايا داخلية حادة تماماً بأنصاف أقطار صغيرة جداً من المزايا الأساسية الأخرى لهذه الطريقة.
عيوب الشرارة
- بطء إزالة المادة: معدّل إزالة المادة في عملية الشرارة أبطأ بكثير من الطرق التقليدية (مثل التفريز أو الخراطة)، لأنه يعتمد على الصهر والتبخير التدريجي الناتج عن الشرارات.
- محدودية تشغيل المواد غير الموصلة للكهرباء: تعتمد عملية الشرارة أساساً على توصيل قطعة العمل للكهرباء. ورغم اقتراح طرق لتشغيل بعض أنواع السيراميك العازل في ظروف وترتيبات خاصة، فإن المواد غير الموصلة للكهرباء لا يمكن عموماً تشغيلها بهذه الطريقة.
- التآكل المستمر للقطب (تآكل الأداة): يترك التفريغ الكهربائي، في أثناء إزالة المادة من قطعة العمل، أثراً تآكلياً على القطب نفسه، فيُحدث فيه حفراً صغيرة. ويُصعّب هذا التآكل المستمر إعادة إنتاج الزوايا الحادة تماماً على قطعة العمل، ويستلزم تبديل الأداة باستمرار أو اعتماد استراتيجيات لتعويض التآكل.
- تكوّن طبقة إعادة التصلّب : تصهر الحرارة الشديدة لقناة البلازما جزءاً من المادة وتبخّره. ويعود جزء من هذا المعدن المنصهر فيتصلّب على السطح قبل أن يغسله السائل العازل، مكوّناً ما يُعرف بطبقة إعادة التصلّب، وقد تُحدث هذه الطبقة إجهادات شدّ متبقية في القطعة.
- استهلاك عالٍ للطاقة وتكاليف أولية للمعدات: استهلاك الطاقة النوعي في آلات الشرارة مرتفع جداً. كما أن شراء هذه الآلات المعقّدة وتشغيلها، وتدريب المشغّلين، وتوفير الأقطاب والسائل العازل المناسب، كلها تكاليف أولية وجارية كبيرة.